عن الخوف من المخيّلة

أمشي في بيروت، وأنا متمسّكة بحقيبتي، أضع نظاراتي الشمسية السوداء، لأستطيع أن أترقب نظرات من هم حولي دون أن يستطيع أحدٌ منهم معرفة اتجاه نظراتي.

إلى أين؟

أمشي بخطواتٍ سريعة، أصعد في التاكسي و”يديّ على قلبي”، أفتح الشباك كلّه حتى وان كان الطقسُ ماطراً، أصلُ الى مكان وجهتي، أتلفّت خلفي مرتين لأتأكد من ان أحدًا لا يلحق بي، وأصعد. أفتح الباب، وأدخل.


أنا الآن في أمان!

خلال المشي في الشارع، أرى وحشًا بفترسني، يحشرني في الزاوية ويغتصبني. أتخيّل لصّاً يقتلعُ حقيبتي منّي ويسرقها، مهما كان فيها قليلاً.. أرى نظراتٍ تغتصب كلّ ما فيّ.

كلّما اقترب أحدهم مني، ازدادت دقّات قلبي. فأنا أتخيل، مثلاً، شخصاً مريضاً يضربني دون أن أي سبب.

قد يستغرب البعض ما أرويه، وقد يعتقد البعض الاخر أني أبالغ. وقد يرى آخرون أني فقط فتاة من هؤلاء اللواتي يعادين الرجال، دون أي مبرّر.

كلا. لستُ بمبالغة، انا فقط أعاني من تبعات ما واجهته.

فكيف أنسى ذلك الشابّ الذي كان يجلس على دراجته النارية تحت “جسر حرقوص” في الضاحية الجنوبية لبيروت وهو عارٍ ويمارس عادته السرية في وضحِ النّهار وأمام جميع المارة؟

وكيف أنسى ذلك اليوم الذي عدت فيه الى منزلي، وإذ بشخص على دراجة نارية يمسك بي من “صدري” ويحاول نشلي؟

أم كيف أنسى تلك اللحظات التي وقفتُ فيها لأحمي أمي من أبي؟ وكيف أنسى عندما “أنقذني” إبن الجيران من بين يديه قبل الموت بلحظات؟ الوالد كان عنيفاً، ماذا عن الغرباء؟

وإن نسيت ذلك كلّه، كيف أمنع نفسي من التأثر بأخبار الاغتصاب والتحرش والختان والقتل والعنف وما يُمارس بحقّ نساء العالم كلّ يوم؟

أصبحتُ أخاف. أخاف مما أتخيّله، من “مخيّلتي”.

لم تعد بيروت مديني، منذ انكسر القلب فيها، والحياء. منذ مات الحلم فيها، وازداد الشقاء. لم تعد بيروت مدينتي، مذ خيّبت أملي، و”خوّفتني” من مخيلتي.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

You like? dislike? Comment!

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: