عذرا

 

“الوضع خربان” أول كلمة نسمعها ممن نسأله عما يحصل، إن كان في لبنان أو في البلدان العربية الأخرى… فالوضع حقا “خربان” (واللي بدو في يحط “ي” محل ال “ب” بتزبط كمان).

ففي فلسطين، هناك تناحر أخوة ومطامع إسرائيلية. وفي العراق، هناك إنقسامات خلفتها الإجتياحات الأميركية. وفي السعودية، هناك تخلفٌ واحتقار للمرأة وسلطةٌ توراثية. وفي سوريا، هناك سحق للرأي اللآخر و اضمحلال للديمقراطية. وفي الأردن، هناك اعتصامات دون تخطيطات استراتيجية. وفي مصر، هناك رئيس حقير وتفجيرات ارهابية. وفي الصومال، هناك قرصنة شرعية. في الجزائر، هناك احتجاجات دامية مصيرية. وفي اليمن، هناك اغتيالات للأخوة في البشرية. وفي ليبيا، هناك تخليد لطغيان حاكم وإرادة شعب مَطوِية. وفي موريتانيا، هناك بطالةٌ مدقعة ورئاسةٌ دكتاتورية. وفي السودان، هناك فقر الشّعب ومشاريع تقسيم جهنمية. في تونس، أعمى سواد النظام السابق ثورةٌ بيضاء ياسمينية. وفي البلدان العربية الأخرى، هناك تفتيش عن ترسبات الهوية…

أما في لبنان، فهناك شعب منقسم، بين المسيحيين والمسلمين، وبين الطوائف ضمن كل دين، أعمتهم الطائفية وأصبحوا تابعين سخيفين… وهناك زعماء سياسيون جلسوا على الكراسي الرئاسية منذ آلاف السنين، حين جلس أجداد أجدادهم عليها، فأصبحت حكرا عليهم – وراثية…

وفي لبنان أيضا، ليس من رئيس يمثل الشعب أجمع. فالنائب مثلا ينتخب من شريحة معينة حسب القانون والدوائر الإنتخابية ولكنه يمثل الأمة جمعاء في كتب “التربية الوطنية والتنشئة المدنية” فقط. والنواب يعملون (هذا إن عملوا) لمصلحة الشريحة الواحدة التي قامت بانتخابهم. والوزراء أيضا – لكن هنا يختلف الموضوع قليلا – فمهامهم (غير السرقة والنصب طبعا) تكون موجهة لحزب معين رشحهم للوزارة، وليست لخدمة مصالح الشعب اللبناني. والرئيس اللبناني لا يسلم من ذلك أيضا، بل يفعل ما هو أفظع! فهو بعدما يعدّل الدستور لانتخابه (فهو غالبا ملحق عمادة الجيش في الرئاسة) من قبل من ينيبون عنا في السلطة، ويمضي الأسبوعين الأولين من رئاسته في استكشاف القصر، ينبت له حزب خاص، ومرشحين خاصين للوزارة “ضمانة لحقوقه” وما يلبث أن يأخذ “صفا” و “يرمى على رف الأحزاب والزعماء اللبنانيين الآخرين المهترئين”… فلا يعود رئيس وحدة وطنية بل يصبح رئيس “وحدة” حزبية معينة محددةٌ طائفتها..

ويذهب الرئيس إلى أكثر من ذلك، فيقمع حرية رأي وتعبير الشعب، ويمارس القرصنة الإلكترونية، ويمنح أوسمة للجهلة، ويمنع المرأة اللبنانية أن تعطي أولادها الجنسية، ويسمح لحثالة الحكام أن يتدخلوا بشؤوننا الخاصة (وما إلى ذلك) ….

فقط هذا كله يبرر لم لا يستطيع اللبناني في لبنان أن يحرق نفسه شرارة يشعل بها ثورة ياسمينية – أو “أرزية”، فبغض النظر إن كان دخل اللبناني يستطيع أن يغطي له تكلفة “تنكة” بنزين أم لا، وبغض النظر أيضا إن كان حرق النفس (أي الإنتحار حرقا) حراما أو حلالا، فإنّ مجرد التفكير بإهدار النفس لأجل نظام كالنظام اللبناني أو لأجل إسقاط أي زعيم لبناني يثير فيّ الجنون! فإذا قررنا كلبنانيين الإحتجاج – او التغيير- حرقا، فإن كل طائفة ستحرق نفسها لتسقط زعيم الطائفة التي هي على تناحر معها! وبالتالي لن يبقى شعب لبناني نكمل به.

لذا عذرا أيها العرب، أنا لن أحرق نفسي لأجل أي نظام، بل سأعمل لأصلّح وأغيّر على طريقتي. وعذرا أيها “الزعماء” اللبنانيين، أنا لن أحرق نفسي لأجلكم، فلست أنا من يجب أن تُحرَق، إنما أنتم، وأنتم فقط. وعذرا أيها الشعب اللبناني، أنا لن أحرق نفسي لأنتفض على ظلمهم لنا، فنحن من نظلم أنفسنا، لأننا حتى بإجماعنا، ننقسم!

(هذا طبعا مع إحترامي ومباركتي للثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس بن علي، رغم تحفظي على ما يحصل من تحويل تونس الخضراء إلى أخرى سوداء)

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

You like? dislike? Comment!

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: